في خضم الأزمات المتلاحقة التي أثقلت كاهل آلاف العائلات النازحة، تبرز النماذج الإنسانية الحقيقية التي لا تكتفي بالشعارات بل تتحرك بثبات لتصنع الفرق على أرض الواقع. ففي مدينة صيدا تواصل جمعية المواساة أداء دورها الريادي، مجسّدةً نموذجًا متقدمًا في العمل الإغاثي والصحي والاجتماعي، حيث تتكامل الجهود لتلبية احتياجات النازحين وتتحول المبادرات إلى منظومة دعم شاملة تحفظ الكرامة الإنسانية وتمنح الأمل في أحلك الظروف.

انتشار ميداني واسع… استجابة تصل إلى الجميع

أدركت الجمعية منذ اللحظة الأولى أن الأزمة تتطلب حضورًا ميدانيًا فاعلًا، فعملت على تغطية مراكز الإيواء الرئيسية في صيدا: مدرسة أنجليك صليبا والمدرسة العمانية النموذجية ومتوسطة معروف سعد والمدرسة الكويتية وثانوية نزيه البزري، إضافة إلى الوصول إلى العائلات النازحة داخل المنازل خارج مراكز الإيواء. ولم يكن هذا الانتشار عشوائيًا، بل جاء وفق خطة مدروسة تضمن وصول المساعدات إلى أكبر شريحة ممكنة من المحتاجين دون تمييز أو استثناء.

توزيعات إنسانية… حين تتحول الأرقام إلى كرامة

ضمن استجابة متكاملة، نفّذت الجمعية حملات توزيع واسعة لتأمين الاحتياجات الأساسية للعائلات النازحة، شملت:

  • توزيع 4080 قطعة ثياب للعائلات داخل المنازل
  • توزيع 4086 قطعة ثياب داخل مراكز الإيواء
  • تجهيزات متكاملة للأطفال حديثي الولادة
  • كراسي أطفال ومستلزمات أساسية للأمهات
  • عدة مطبخ كاملة لمراكز الإيواء لضمان الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي
  • توزيع الفوط الصحية والحرامات والحليب والحفاضات
  • تقديم الهدايا والسكاكر للأطفال في لفتة إنسانية للتخفيف من وطأة النزوح

ولم تكن هذه التوزيعات مجرد أرقام، بل شبكة أمان إنسانية أعادت شيئًا من الطمأنينة للعائلات التي فقدت الكثير.

رعاية صحية متكاملة… الإنسان في صلب الأولويات

برز مركز د. نزيه البزري للرعاية الصحية الأولية كأحد أعمدة الاستجابة الأساسية، إذ قدّم خدمات طبية متكاملة داخل المركز وفي الميدان شملت مختلف الاختصاصات إلى جانب المختبر واللقاحات، وسُجّل:

  • 1630 خدمة صحية داخل المركز شملت اللقاحات والفحوصات
  • 1350 معاينة ميدانية (PSU) داخل مراكز الإيواء
  • دعم الطفولة عبر تقديم المتممات الغذائية والأطعمة الجاهزة للرضّع لـ250 حالة
  • تنفيذ مسح لسوء التغذية شمل 270 طفلًا وامرأة حامل ومرضعة
  • تنظيم 15 جلسة توعية وتثقيف صحي لرفع مستوى الوعي في ظل الأزمات
  • دعم ذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن بتوفير 360 وسيلة مساعدة (كراسي وعكازات)
  • تعزيز الصحة العامة بتوزيع مستلزمات النظافة الشخصية وحصص التنظيف لـ220 عائلة
  • معالجة حالات القمل بتوفير الدواء لـ300 مستفيد

ويعكس هذا الجهد رؤية متكاملة لا تقتصر على العلاج بل تمتد إلى الوقاية والتوعية، ما يعزز صمود المجتمع في وجه الأزمات.

الأمن الغذائي… جهد يومي لمواجهة الجوع

وفي مواجهة التحديات المعيشية، لعب مطبخ المواساة دورًا محوريًا في تأمين الغذاء، حيث أُعدّت ووُزّعت 12,032 وجبة ساخنة (غداء وعشاء وخبز) داخل مراكز الإيواء في استجابة يومية تعكس التزامًا مستمرًا بتأمين الاحتياجات الأساسية، كما وُزّعت 155 حصة غذائية متكاملة خففت الأعباء عن العائلات النازحة وعزّزت استقرارها.

لمسة إنسانية تتجاوز الاحتياج… نحو استعادة الأمل

وفي بادرة تعكس فهمًا عميقًا للاحتياجات النفسية للإنسان، كان لـأكاديمية التجميل في الجمعية حضور مميز داخل مراكز الإيواء، إذ قدّمت خدمات حلاقة وتصفيف وقص شعر (رجالي ونسائي) لـ400 مستفيد. وقد تركت هذه المبادرة، على بساطتها، أثرًا عميقًا في نفوس المستفيدين وساهمت في استعادة الشعور بالكرامة والثقة.

تكامل الجهود… نموذج للعمل الإنساني المؤسسي

ما يميّز عمل الجمعية ليس حجم الخدمات فحسب، بل طريقة إدارتها، حيث يظهر التكامل بين العمل الإغاثي والصحي والاجتماعي ضمن رؤية مؤسساتية تعتمد التخطيط والتنفيذ والمتابعة، وهو نموذج يعكس احترافية عالية ويؤكد أن العمل الإنساني الفعّال يحتاج إلى تنظيم ورؤية واستمرارية.

وختامًا، إن ما تقدّمه جمعية المواساة في صيدا يتجاوز حدود العمل الإغاثي التقليدي ليشكّل تجربة إنسانية متكاملة تُعيد تعريف التضامن الحقيقي؛ ففي كل وجبة تُقدَّم وكل دواء يُصرف وكل ابتسامة تُرسم تتجسّد رسالة عميقة مفادها أن الإنسان سيبقى دائمًا أولوية. وفي ظل استمرار التحديات، تبقى جمعية المواساة منارة أمل ودليلًا حيًّا على أن العطاء المنظّم قادر على صناعة الفرق، وأن الإنسانية لا تزال قادرة على الانتصار.